عبد الكريم الخطيب

878

التفسير القرآنى للقرآن

لهم العزة والغلب ، وإنما ستحلّ الدائرة بهؤلاء المنافقين ، وسينزل بهم الخزي والسوء . وفي قوله تعالى : « وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » تهديد لهؤلاء المنافقين بمراقبة اللّه سبحانه وتعالى لهم ، واطّلاعه على ما يسرّون وما يعلنون ، وأنه سبحانه مؤاخذهم بما كانوا يكسبون . . قوله تعالى : « وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ . . أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ . . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . ليس الأعراب جميعا على حال سواء ، فإذا كانت الصحراء تنبت الشوك والحسك ، وتؤوي الوحوش والحيّات ، فإنها تخرج العرار « 1 » والريحان ، وتتحلّى بالظّباء والنّعام . . وإذا كان في أعراب البادية ، الجفاة ، وأهل الوحشة والجهالة ، فإن فيهم ذوى النفوس الرقيقة ، والقلوب المتفتحة ، والوجدانات الشفيفة . . التي تذوب رقة وعذوبة . . إن هؤلاء أشبه بالأنسام العليلة الرطبة ، التي تهمس بها أنفاس الصحراء بين الحين والحين في آذان الأصائل والأشجار ، فتبعث الرّوح والعافية في كيان الأحياء ، التي كادت تهلك من لفحات الهجير ، ووقدات السّموم ! . . ففي أعراب البادية الشعراء ، والحكماء ، وأصحاب الفراسة والألمعية التي تلمح بذكائها الفطري ما لا تلمحه العين المبصرة وراء المجهر ، وتكشف بصدق حدسها وظنّها من خفايا النفوس ، ما لا يكشفه عالم النفس بأدوات علمه ، ومقاييس فنّه . والذين دخلوا الإسلام من هؤلاء الأعراب ، من ذوى النظر ، والحكمة ، قد عرفوا هذا الدّين معرفة كاشفة ، فازدادت به بصائرهم استضاءة وتألفا ،

--> ( 1 ) العرار : نبت طيب الريح .